محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

411

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

ليس هو نفس القصّة ، بل تعديد النعم عليهم ومقابلتهم إيّاها بالكفران تارة ، والاعتراضات على موسى - عليه السلام - تارة ، وبالأسئلة الخارجة التي لا تعنيهم تارة ؛ ولمّا كانت الآيات السابقة على سياق هذه المعاني أردفها بقصّة البقرة وتشديدهم على أنفسهم وسؤالاتهم التي لا تعنيهم ، ثمّ ذكر السبب في تكليفهم ذبح البقرة أنّهم اختلفوا في النفس التي قتلوها ، فقلنا لهم : اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها ؛ فحسن تقديم المسبّب على السبب ، ولا يحتاج إلى تأويل من قال : إنّ الآيتين نزلتا في وقتين ؛ فإنّ النظم فيهما على ما قرّرناه في غاية الكمال . وقال القفّال : « 1 » التقدير واذكروا إذ قال موسى لقومه إنّ اللّه يأمركم أن تذبحوا بقرة ؛ فكان من أمرها كذا . ثمّ تبع ذلك : وذلك للقتيل التي تدارأتم فيه ؛ فانفصل أمره وظهر قاتله ؛ وهذا حسن لكنّه ( 179 ب ) أدرج فيه ما حسّن نظمه ، وليس بمنصوص عليه ؛ ومن حقّ أصحاب المعاني أن لا يتجاوزوا حدود الكلام ، ولا يتصرّفوا فيه بزيادة ونقصان . وقوله : وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ من أمر القتيل . فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 73 ) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها أي القتيل ببعض لحمها ، واختلف المفسّرون في ذلك البعض . قال قتادة ومجاهد وعكرمة والكلبي ومقاتل وعطاء كلاهما عن ابن عبّاس : ضرب بالفخذ اليمنى من البقرة ؛ وروي عن مجاهد قال : ضربوه بذنبها ؛ وهو رواية الحكم عن السدّي ، قال : بالعجز والذنب ، ويعزى ذلك إلى عليّ بن الحسين بن عليّ - رضي اللّه عنه - وهو رواية سعيد بن جبير عن ابن عبّاس ؛ وقال الحسين بن الفضل : ضرب بلسانها ؛ ويروى عن ابن عبّاس أيضا : بالعظم الذي يلي الغضروف ؛ وقال ابن زيد : ضرب ببعض آذانها . قال القفّال : الأولى أن يبهم ما أبهمه اللّه ؛ وقيل : ضرب بأضلاع البقرة أضلاع المقتول . وفي الكلام إضمار واختصار والتقدير : فقلنا اضربوه ببعضها ؛ فضرب ، فحيي ، كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى . قال الفرّاء : اضربوه ببعضها ليحيا كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى أي استدلّوا بهذا على أنّ اللّه يحيي الموتى في الآخرة كما أحيا هذا الميّت في الدنيا ؛ وأنتم تشاهدون ذلك وَيُرِيكُمْ آياتِهِ : * ودلائله وعبره ؛ وهذا احتجاج على منكري البعث .

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني .